ناظم رمزي: المصور... الرائي

.

المقاله تحت باب  مقالات و حوارات
في 
01/12/2010 06:00 AM
GMT



(الصورة بعدسة ناظم رمزي)
يسبغ النقاد على الشعراء صفة (الرائي)؛ الرائي، الذي بوسعه ان "يرى" ما لا نرى!، وان يستشف في العادي والمألوف، حدثا غير عادي وغير مالوف. من هنا ميزة وتميز ما يقول، رائيا ومستشرفاً الابداع في الكثير بما يحيطنا وما يشكل بيئتنا، مثيرا دهشتنا لما يقدمه لنا من رؤى و.. رؤيا. وصفة الرائي بمواصفاتها تلك، يمكن لها ان تنعكس، بسهولة، على ابداعات "ناظم رمزي" (1928) المصور الفوتوغرافي المعروف، تلك الابداعات "الرائية" والمدهشة والتى بمقدورها ان تجد وتكشف لقطات ابداعية عالية الفنية في الاماكن العادية نتفاجئ كيف اننا لم يتسنِ، سابقا، رؤيتها. لقد انجز الفنان عددا كبيرا من تلك اللوحات المبدعة على مدار مسار حياته العملية الطويلة. ومجموعة صور كتاب "جولتي مع الكاميرا"، الصادر حديثا (2010)، عن دارالأديب للصحافة والنشر في عمان/ الاردن (80 صفحة بالقطع الكبير)، تؤكد اهمية ذلك المسار الفني التصويري الابداعي وترسخه في الخطاب. وهذا الكتاب هو الرابع في سلسلة الكتب التى اصدرها رمزي والمتضمنة نماذج من لوحاته الفوتوغرافية المميزة، التى يعتز المنجز الثقافي العراقي والاقليمي ويفتخر بقيمتها الفنية العالية. اذ سبق وان صدرت له الكتب التالية: "العراق: الارض والناس" (لندن، 1989)، و"من الذكرة" (بيروت، 2008)، وكتاب "العراق: لقطات فوتوغرافية لبعض ملامح الحياة في القرن العشرين" (بيروت، 2009).
يوثق كتاب "جولتي مع الكاميرا"، لقطات مشغولة اثناء اسفار ناظم رمزي الى بلدان عديدة خارج بلده العراق، وتحديدا لبنان ومصر وتركيا وجيكوسلفاكيا وفرنسا وانكلترة. انها لقطات فضلا على اهميتها الفنية العالية، فانها تؤرخ لحيوات وبيئات، هي الآن نصاً محفوظاً في صفحات الماضي، ماضي المدن المزارة وشخوصها الحيويين. فبعض صور الكتاب تعود الى حقبة الخمسينات، ومعظمها يرجع الى العقد الستيني. وهي مثلما تعد جزءا من ذاكرة الفنان/ المصور، واسلوب مقاربته للحدث المرئي، فانها ايضا تشير الى شخصيته. ذلك لان <الصورة الملتقطة - كما يقول المصور السويسري "رينيه بوري" (1933) Rene Burri المعروف عالميا بالتقاطه صور "جي غيفارا" الشهيرة- لا تكتفي بان تكشف وتوضح ما يحيطنا، انها تكشف ايضا طبيعة وشخصية الفرد الواقف خلف الكاميرا>!.
ثمة اهتمام كبير يوليه ناظم رمزي الى بيئة المدن المصورة ومفرداتها العمرانية المتنوعة: شوراعها ومبانيها وتفاصيلها العديدة المؤثثة لفضاء تلك المدن. لكن الاهم في ذلك هو حضور الانسان فيها، الانسان بكل حالاته. ونادرا ما تخلو صوره عن وجود انسان. (في كتابه الاخير، احصيت ست صور فقط من مجموع صور الكتاب المنشورة التى تفتقد حضور القوام الانساني فيها!). ثمة دلالات ترمز الى اهتمام الفنان ببنى شخوصه الملتقطه. فهو متعاطف لفرحهم وترحهم، ومشارك في تجمعاتهم كما انه شاهد امين على تنوع امزجتهم وتعدد مظهرهم المثقل بالايحاءات. من هنا يتعين فهم طبيعة "الرسالة" التى يود ان يبعثها الفنان/ المرسل الى المتلقي. فحالات مدنه من حالات شخوصها؛ هم الذين يمنحوا صفة الحيوية والانتماء والالفة اليها. لقد لاحظ احد النقاد المعماريين مؤخرا، بان تخطيطات المشاريع المعمارية المعاصرة، المشغولة آلياً، تخلو من وجود لرسوم الناس، الذين كانوا في السابق، جزءا لا يتجزأ من مفردات مخططات المشروع المقترح. فبهم يمكن التعرف على مقياس المبنى وتحديد مقاسات عناصره، كما ان حضورهم يضفي على اللوحة المرسومة احساسا بانتماء المبنى لهم ويؤكد علاقتهم به. ويتساءل في الاخير، هل من ثمة دلالة مقصودة بخلو لوحات المشاريع المعمارية من حضور الناس فيها؟ هل ان ذلك الخلو كناية عن "غربة" العمارة المعاصرة عن متلقيها او حتى مستخدميها؟ ولعل نوعية اللوحات الفوتوغرافية المشغولة من قبل رمزي، المسكون باحساس الالفة والانتماء وعدم التغريب، يمكن لها ان تشكل صيغة جواب عن مثل ذلك التساؤل المطروح.

على ضفاف نهر السين، باريس، 1965 توضح صور "جولتي مع الكاميرا"، مرة اخرى، مهارة ناظم رمزي ومقدرته في تأليف لوحات فوتوغرافية فنية عالية الجودة، ان كان لجهة الصياغات التكوينية المعبرة، ام لناحية حرفيته المكتملة في التعاطي مع آلته التصويرية، ومعارفه الدقيقة والشاملة في اجراءات ما بعد التصوير. لكن ما يسم صور رمزي بشكل عام، هو جهوزيته وحضوره في اللحظة المناسبة اياها، التى تتجمع فيها كل عناصر التكوين الناجح: من مفردات الصورة المستقبلية، وتآلف تلك المفردات فيما بينها، وعن حضور كمية الضوء والعتمة المناسبيين، وعن اختيار وضعية ومكان الالتقاط؛ وبالطبع وجود الكاميرا مع الفنان في ذلك الوقت المحدد. وهذا التجمع النادر، الذي يدعوه المصور الفوتوغرافي "هنري كارتييه- بريسون" (1908-2004) Henri Cartier- Bresson <باللحظة الحاسمة>، هي التى يصفها المصور الفرنسي العالمي، بكونها "شعور حدسي اكثر منه.. فني!". وهو تصريح يحيلنا، مرة آخرى، للتنبيه، بان عملية "تخليق" الصورة واجتراحها، هي مهمة معقدة وغامضة، واحيانا غير قابلة للتفسير. وهي بالتالي، توضح لنا ندرة المصور الموهوب في المشهد، رغم وجود عدد هائل ممن يتعاملوا مع الكاميرا اليوم.
تشترك صور الكتاب جميعها، بكونها مشغولة بالابيض والاسود، وبكونها ملتقطة بكامبرا عادية، اي غير رقمية. كم ان الصور التى نراها في الكتاب، هي ناتج عمل المصور الشخصي وجهده لما بعد التصوير. ثمة إحساس تعبيري ممزوج (هل اقول مدجج؟) بالرمزية، يشع من غالبية الصور المنشورة. وهو احساس سيفضي الى تكوين حالات مزاجية مختلفة ستنتاب المشاهد لحظة تقليب صفحات الكتاب ومشاهدة الصور المطبوعة. اذ سيشعر بالمتعة، مع فرح الناس المبتهجين باللعب، وسينفجر بالضحك، لقاء افعال شخوص اللوحات و"بوزاتهم" المصطنعة. كما سوف يحس بالالم والتعاطف مع مصائر غير سعيدة لاناس صورهم ناظم رمزي، من دون سابق معرفة. لكن المتلقي سوف يدهش كثيرا لتوقيت فعل اقتناص "اللحظة الحاسمة"، التى يقبض عليها ناظم رمزي باقتدار؛ مانحاً قيمة جمالية مضافة لنا، نتيجة عمله المبدع والمتفرد.
في لوحة "على ضفاف نهر السين، باريس 1965" (ص 24)؛ <وانا اسمّي صور ناظم رمزي "لوحات"، نظراً لجماليتها ومساواتها مع قيمة اللوحات المرسومة الفنية)؛ في تلك اللوحة اذاً، تحضر مفردات اللحظة الحاسمة "البريسونوية" (نسبة الى بريسون)، بصورة مفاجئة وسريعة. وسيتواجد ناظم رمزي في المكان اياه، عند "مرورها" تماما، ماسكاً بها، منجزاً لنا لوحة، اراها واحدة من اجمل صور الكتاب، نظرا لتميزها وقيمتها الجمالية الاستثنائية، بالاضافة الى اتقانها الفني والحرفي.

الشتاء في باريس، 1965 ثمة هندسية طاغية تجزأ اللوحة الى قسمين متماثلين، يفصلهما خط مستقيم مائل، يحدد منطقة مياه النهر المضيئة، عن منطقة يابسة الساحل المعتمة نوعا ما، والمرصوفة باحجار تعكس احياناً نقاط الضياء "المسكوب" عليها، مخففة بذلك من لون سواد يابسة الساحل. في اعلى الصورة ثمة جزء لجسر، (نخمن انه "بون نوف" <الجسر الجديد>)، تشكل قناطره ذات العقود النصفية مع اسقاط انعكاساتها المائية دوائر كاملة، كانت دائما مدار افتنان الرساميين وخصوصا الانطباعيين منهم. تتوازن كتلة عقود الجسر القديم هذه، مع كتلة السلم في اسفلها؛ هو الذي يحضر بمدرجاته الحجرية الواضحة، والمؤكدة من خلال تناوب مثلثات القسم الافقي المضاءة، مع مثلثات اجزاءه العمودية المعتمة. ثمة شخص بلباس داكن، يقف اسفل السلم، يماثل وجهه ويداه المضيئتان، لمعان سطوح بعض حجر الساحل المرصوف الواقف عليها. وكما تخفف اغصان الاشجار الجرداء الشتوية المتدلية عند منطقة الجسر من غلواء الهندسية، فان "اثاث" الرصيف النهري المقننة والمبعثرة وكذلك عناصر السلم الذي يقف المصور في اعلاه، تكوّن معادلاً لطبيعة حركة تلك الاغصان العفوية والانعكاسات المتكسرة المائية لقناطر الجسر. واللوحة التصويرية في الاخير، تحمل قوتها التكوينية في ذاتها، وفي الصيغة التى تطالعنا: هندسية تماما، ومتماسكة تماماً، ومتاضدة تماما. قادرة على خلق انطباعا يشي بالحيوية المفعمة بالبهجة، يدهشنا كيف تمكن رمزي من التعبير، بفنية، عن كل ذلك!.
ليست في النية، بالطبع، الحديث عن مجمل صور الكتاب، معترفاً بان المتلقي له تمام الحق في كيفية "رؤية" مايراه من الصور المنشورة. لكني اتوق في هذه المقالة، ان اعبر عن رؤيتي السريعة والشخصية عن بعضها. واشير الى صورة (الشتاء في باريس، 1965). انها لوحة مميزة، تعبر تراتبية وتسلسل وضعية سيقان اشجارها المضاءة جزئياً، عن تميزها واكتمالها. اما صورة (جسر الغرباء، باريس 1965)؛ فانها تعكس بارضيتها الخشبية الشاغلة لاكثر من نصف تكوين اللوحة، مع " ضجيج" عناصر الجسر التركيبية، بالاضافة الى وجود شكل Figure المرأة الوحيدة الداكن، تعكس موضوعها باختزال كبير، موحية "بالغربة" التى يستمد الجسر اسمه منها. في صورة "كنيسة سان جيرمان، باريس 1965)، يصل المعنى الرمزي سريعا ومباشرة الى المتلقي، عبر تمثال المسيح المصلوب، والمعلق في اعلى الصورة، و"خوازيق" السياج الحديدي المدببة، في اسفلها. ثمة تدرج متعدد الاشكال والتنوع، يشغل منظور لوحة " هايد بارك، لندن 1992)، مؤلفا مفردات تكوين تلك اللوحة المعبرة، وهي بالمناسبة الصورة الوحيدة الاحدث تاريخا من كل الصور المنشورة في الكتاب. لكن لوحة (زقاق في مدينة رين، فرنسا، 1965)، تشير الى ولع الفنان وحبه للتفاصيل المعمارية المميزة والغريبة. والكتاب، في الاخير، حافل بالصور ذات المستوى الفني الرفيع.
يختتم ناظم رمزي كتابه بصورة، نعتقد ان وجودها في الكتاب، يثير تساؤلات عدة، إن لجهة موضوعها، ام لناحية مرجعيتها المكانية، ام حتى لقيمتها الفنية. نحن نتحدث عن الصورة الاخيرة، التى عنونها الفنان بـ (رقصة غجرية، الراشدية- بغداد، 53-1954). يتعين التذكير مرة آخرى، بان طريقة قراءة النص الابداعي، كما تتيحه منظومة النقد الحداثي، هي طريقة خاصة وذاتية، تتشكل طبقاً لنوعية ثقافة القارئ نفسه. بمعنى آخر، ان كل نص ابداعي يتحمل قراءات متعددة، وهو بالتالي لا يقتصر على معنى واحد. من هنا، قيمة النص وغناه... واثره ايضا. بل ويذهب بعض النقاد، الى اجازة قراءة النص بمعزل عن قصد المؤلف ورغبته. ثمة اذا، قراءة روج النقد الحداثي لها واسعا، مفادها "موت المؤلف" بمعناه <البارتوي> (نسبة الى الناقد الفرنسي رولان بارت)، التى تعتمد على تحرير النص من سلطة مؤلفه. والاشارة الى هذه الاطروحة، هنا، يعدّ امراً ضرورياً كي يمكن قراءة صورة <رقصة غجرية> المنشورة في آخر الكتاب قراءة خاصة تقترب من الموضوعية. لنبدأ اولا، من المرجعية المكانية. فالصورة هنا تبدو خارج السياق المعتمد في اختيار صور الكتاب. انها "خارج المكان"؛ فجميع الصور ملتقطة في امكنة خارج العراق، الا هذه. وازعم، ثانياً، ان "فنيتها" ليست على قدر كبير من الاثارة، وليست فريدة في تكوينها: ثمة امرأة راقصة محاطة بـ "قوس" من ايادي الرجال الراقصيين. والتساؤل هنا، يظل مشروعا، لماذا اصرّ الفنان اذاً، على ان تكون ضمن صور الكتاب، رغم انها لا تعود لا الى "ثيمته"، ولا تعد من روائعه الفنية؟ يبقى اخيرا امر "موضوعها". هل بمقدوره ان يكون ذريعة لذلك النشر؟ ربما. فثمة ارتباط قوي (يشي، الآن، بالرمزية)، بين الغجر والترحال، الترحال المستمر والدائم حد اللعنة. فالغجر مسكونون به، واصبح جزءا من ثقافتهم. انهم "خارج المكان" دوما، وهم وان سكنوا في ارض محددة، الا ان توقهم الحقيقي هو مكان آخر.

ايريد الفنان ان يرسل لنا رسالة ما، عبر نشر هذه الصورة؟
هل اراد "رمزي"، من خلال تلك الصورة، التعبير رمزياً عن مصائر كثر (وخصوصا العراقيين الذي هو احدهم)، والذين كتب عليهم التجوال والترحال، وفرض عليهم ايضا البقاء "خارج المكان" بلغة ادورد سعيد، يسكنون ارضا، وعيونهم تنظر نحو آخرى؟.
قد لايكون نشر الصورة سببه تلك التساؤلات، بل وربما لم يقصد الفنان اصلا اثارة مثل تلك التساؤلات، فقد يكون نشرها اعتمد على الصدفة، او بموجب سبب آخر لا علاقة له البتة بما افترضنا. ربما كان هذا الامر صحيحا، بيد ان الاسئلة التى يطرحها امر وجود الصورة في الكتاب، تستدعي اجابات عنها من قبل المتلقي بطريقة ما. وقد تكون قراءتنا الخاصة لتلك الصورة، احداها.
في حديثي الهاتفي الاخير مع ناظم رمزي، الذي به وددت ان اعبّر له عن امتناني العميق لارساله الكتاب اياه، تحدث بتواضع جم، عن بواعث اصداره الكتاب معللاً رغبته تلك، في ان يرى الاخرون نتاجه الفني، النتاج الذي ماانفك معظمه محصورا في كوادر اشرطة افلامه العديدة. لكنه استدرك بحسرة، متسائلا هل ظل احدٌ، الان، يهتم في مثل هذا المنتج؟
ايها الفنان العزيز، لقد ارسيت بنشاطك واهتمامك، واسست بجهدك جنساً ابداعياً، اثرى خطاب ثقافتنا واغنى ذائقتنا الفنية بجماليات مميزة. نحن ندين لك بهذا. واعيد، هنا، مرة آخرى، ما كتبته عنك، محتفيا بنشاطك وفنك، رائيا فيه ردا مقنعا عن تلك التساؤلات التى اثرتها: "... ولئن كان البعض الان كما في السابق، لم يقدّر ولا يعير اهمية لطبيعة الثروة المعرفية التى تمثلها تلك الصور للعراق ولتاريخه.. ولمستقبله ايضاً، فان ذلك يدخل في باب الجهل والتجهيل الذي ابتلى به البلد على مدى عقود كثيره. وسيأتي يوم، عاجلا ام آجلا، يقرّ به العراقيون، ولا سيما الباحثيين والمصوريين على وجه التحديد، بالدينّ الذي "لرمزي" عليهم".

تحية لك، ايها الفنان، لعطاءك ومنجزك المهم... والمطلوب.
وشكرا لك، على كتابك الاخير وصوره الرائعة.